**كأس العالم**، حملت عبر تاريخها الطويل قصصاً متباينة لمنتخبات استضافت البطولة بين فرحة التتويج ومرارة الإقصاء، وبين مجد تحقق على الأرض والجمهور، وانكسار بقي في الذاكرة. ومع اقتراب مونديال 2026، يعود هذا الملف التاريخي ليكشف كيف صنعت المنتخبات المضيفة ملامحها في أهم بطولة كروية في العالم.
البدايات الأولى لهيبة أصحاب الأرض
منذ النسخة الأولى لكأس العالم في أوروغواي عام 1930، بدا واضحاً أن الأرض يمكن أن تكون سلاحاً حاسماً، فقد استثمر المضيف الأول حضور جماهيره وحماسه ليحصد اللقب، ثم كررت إيطاليا الأمر في 1934 لتؤكد أن الاستضافة قد تقود أحياناً إلى القمة، لا سيما عندما يمتزج الدعم الجماهيري بالجاهزية الفنية والانضباط التكتيكي.
أوروغواي وإيطاليا وميلاد التفوق
في مونتفيديو، تجاوزت أوروغواي منتخبات المجموعة الثالثة، ثم واصلت طريقها حتى النهائي أمام الأرجنتين، لتنتهي المواجهة بفوز أصحاب الأرض 4-2، أما إيطاليا في 1934 فقد خاضت بطولة بنظام خروج المغلوب، وتخطت الولايات المتحدة وإسبانيا والنمسا، قبل أن تهزم تشيكوسلوفاكيا 2-1 في نهائي حضره بينيتو موسوليني، ليظهر منذ وقت مبكر أن الاستضافة قد تتحول إلى منصة ذهبية.
كيف تحولت بعض الاستضافات إلى مآسٍ كروية؟
لم تكن كل البطولات المضيفة محمولة على النجاح، فالبعض اصطدم بضغط التوقعات، أو بصلابة المنافسين، أو بلحظات لا تُنسى من سوء الحظ، كما حدث لفرنسا في 1938 عندما خرجت على يد إيطاليا، ثم للبرازيل في 1950 في واحدة من أكبر صدمات كرة القدم، قبل أن تتكرر حكايات الخيبة في محطات لاحقة.
ماراكانازو والسباعية الألمانية
في البرازيل 1950، بدا أن اللقب في طريقه إلى المضيف بعد انتصارات كبيرة في المرحلة النهائية، إذ فاز على السويد 7-1 وعلى إسبانيا 6-1، لكن الأوروغواي قلبت المشهد في ملعب ماراكانا أمام نحو 175 ألف متفرج، وفازت 2-1 لتكتب مأساة “ماراكانازو”، ثم عادت البرازيل في 2014 لتعيش صدمة جديدة حين خسرت أمام ألمانيا 7-1 في نصف النهائي، وهي نتيجة بقيت حاضرة بقوة في ذاكرة البطولة.
متى اكتفى المضيف بالميداليات دون الكأس؟
بعض المنتخبات المضيفة اقتربت من المجد من دون أن تلامسه بالكامل، فكان نصيبها المركز الثاني أو الثالث، وهو ما حدث مع منتخبات قدمت مستويات قوية لكنها اصطدمت بعقبات حاسمة في الأدوار الأخيرة، كما جرى للسويد وتشيلي وإيطاليا، وكل منها ترك بصمة مختلفة في تاريخ الاستضافة.
السويد وتشيلي وإيطاليا
في 1958 بلغت السويد النهائي بعد مشوار ناجح، لكنها خسرت أمام البرازيل 5-2، ومع تألق بيليه الذي سجل هدفين وهو في السابعة عشرة، أما تشيلي في 1962 فقد اكتفت بالمركز الثالث بعد فوزها على يوغوسلافيا في مباراة الترتيب، وفي 1990 نالت إيطاليا البرونز بعد خسارتها في نصف النهائي أمام الأرجنتين بركلات الترجيح، ثم فوزها على إنجلترا في مباراة المركز الثالث.
المنتخبات المضيفة بين الوداع المبكر والنجاح الكبير
مع اتساع تاريخ البطولة، تنوعت نتائج المضيفين بصورة لافتة، فبينما عاشت بعض الدول لحظات مجد كاملة مثل إنجلترا 1966 وفرنسا 1998 وألمانيا الغربية 1974 والأرجنتين 1978، عانت دول أخرى من خيبات مبكرة، مثل جنوب أفريقيا 2010 وقطر 2022، وبين هذا وذاك ظهرت دول بلغت الأدوار المتقدمة لكنها توقفت عند حدود معينة.
نماذج من بطولات متباعدة
في 1966 توجت إنجلترا على أرضها بعد نهائي مثير أمام ألمانيا الغربية انتهى 4-2، وسجل فيه جيف هيرست الهدف الشهير المثير للجدل، أما فرنسا في 1998 فقد حققت لقبها الأول بعد الفوز على البرازيل في النهائي، وفي 2002 صنعت كوريا الجنوبية التاريخ ببلوغ المركز الرابع، بينما اكتفت روسيا في 2018 بربع النهائي بعد الخسارة أمام كرواتيا بركلات الترجيح.
ما الذي فعلته المكسيك والولايات المتحدة وألمانيا البرازيل 2014 وغيرها؟
عاشت المكسيك تجربتين مختلفتين في 1970 و1986، ففي كلتا البطولتين توقفت عند ربع النهائي، كما خرجت الولايات المتحدة من ثمن نهائي 1994 أمام البرازيل، في المقابل نجحت ألمانيا الغربية في 1974 في حصد اللقب على أرضها بعد التفوق على هولندا 2-1، وكررت فرنسا وألمانيا والبرازيل والإنجليز قصصاً متعددة بين الصعود والتراجع، ما يعكس أن الاستضافة لا تمنح الكأس تلقائياً، بل تفتح الباب أمام احتمالين متناقضين.
قطر 2022 وماذا تقول الأرقام عن المضيفين؟
في 2022 خرج منتخب قطر من الدور الأول من دون أي نقطة بعد الخسارة أمام الإكوادور والسنغال وهولندا، لتكون أول مشاركة من هذا النوع في تاريخ الدولة المضيفة، كما أن جنوب أفريقيا كانت قد سبقتها إلى الخروج المبكر في 2010، وبذلك يظهر من السجل العام أن الاستضافة لا تحمي أصحابها من الفشل، لكنها تمنحهم فرصة كتابة صفحة فارقة إذا أحسنوا التعامل مع الضغط والتوقعات.
كيف تبدو صورة المضيفين قبل مونديال 2026؟
تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، بوصفها الدول المنظمة لكأس العالم 2026، وسط آمال في أن يصنع أحدها قصة مختلفة بين الجماهير وعلى الملاعب، خاصة أن البطولة ستشهد مشاركة 48 منتخباً، وفي ظل هذا الامتداد التاريخي الذي وثقته مصر نيوز، يبقى سجل المضيفين شاهداً على أن كأس العالم قد تكون منصة للتتويج، أو مرآة لخيبة لا تُنسى.
