كأس العالم 2026 .. كيف تؤثر البطولة في المشاعر العامة للجماهير

كأس-العالم-2026-كيف-تؤثر-البطولة-في-المشاعر-العامة-للجماهير
محرر الخبر عامر فؤاد
حجم الخط

مونديال 2026، يفرض نفسه هذه الأيام بوصفه الحدث الأبرز القادر على تغيير تفاصيل الحياة اليومية، من مواعيد النوم والعمل إلى شكل الشوارع وأحاديث المقاهي، فالمباريات لا تكتفي بإثارة الحماس داخل الملاعب، بل تمتد آثارها إلى المزاج العام، وتحوّل الفرح والحزن إلى حالة جماعية واسعة الانتشار.

المونديال حين تتحول المدن إلى مدرجات مفتوحة

في صيف 2026، تبدو المدن وكأنها تعيش حالة مختلفة تماماً، سيارات مزينة بأعلام المنتخبات، وشرفات تتدلى منها الألوان، ومقاهٍ ممتلئة بالمشجعين، وأصوات الهتاف ترتفع مع كل هدف، هذا المشهد لا يرتبط ببلد واحد، بل يتكرر في أماكن كثيرة كلما اقتربت صافرة البداية، وكأن كأس العالم يعيد ترتيب إيقاع الحياة في أنحاء متفرقة من العالم.

ومع انطلاق المباريات، تتراجع التفاصيل اليومية المعتادة أمام أولوية واحدة، هي متابعة المنتخب أو الفريق المفضل، فتغلق بعض الشوارع على هدوء غير معتاد، وتزدحم أماكن العرض الجماعي، بينما تتحول الشاشات إلى نقطة تجمع أساسية لآلاف الأشخاص، هذا التغيير لا يكون مؤقتاً فقط، بل يترك أثره في السلوك والمزاج طوال أيام البطولة.

كيف تصنع نتيجة مباراة فرحاً وطنياً أو خيبة جماعية؟

الأمثلة من كأس العالم كثيرة، وتوضح كيف يمكن لمباراة واحدة أن ترفع مزاج أمة كاملة أو تصيبه بالإحباط، ففي 18 ديسمبر/كانون الأول 2022، عاشت الأرجنتين لحظة استثنائية بعد فوز منتخبها على فرنسا في النهائي، إذ خرج الملايين إلى الشوارع فور نهاية اللقاء، وامتلأت ساحات بوينس آيرس بالاحتفال، حتى أعلنت الحكومة عطلة وطنية لاستقبال المنتخب.

وقدرت وسائل إعلام محلية ودولية عدد المشاركين في الاستقبال بأكثر من أربعة ملايين شخص، وهو رقم يعكس حجم التفاعل الشعبي مع الإنجاز، في بلد كان يمر بأزمة اقتصادية خانقة، وتحولت الحافلة التي أقلت اللاعبين إلى رمز لوحدة جماهيرية نادرة.

وفي الجهة المقابلة، تقدم البرازيل مثالاً مغايراً تماماً، ففي 8 يوليو/تموز 2014، خسر المنتخب البرازيلي أمام ألمانيا بنتيجة 7-1 في نصف نهائي كأس العالم على أرضه، وهي نتيجة بقيت من أكثر الهزائم إيلاماً في تاريخ الكرة، ولم تكن الصدمة في النتيجة فقط، بل في البكاء الجماعي الذي ظهر في المدرجات وعلى الشاشات، وفي الصور التي جابت العالم لأطفال ومشجعين يذرفون الدموع.

وفي الحالة الأردنية، جاء التأهل إلى كأس العالم 2026 للمرة الأولى ليصنع لحظة أخرى من الفرح العام، فقد عمّت مواكب السيارات المحافظات، وارتفعت الأعلام الأردنية، وامتلأت الساحات بالمحتفلين حتى ساعات الليل المتأخرة، كما تصدر وسم التأهل منصات التواصل، وشاركت جهات رسمية وخاصة في التهاني، في مشهد تجاوز حدود التشجيع الرياضي إلى معنى وطني أوسع.

إجازة جماعية غير معلنة

لا يتغير المزاج العام في الشوارع فقط، بل يتبدل أيضاً في البيوت وأماكن العمل والروتين الشخصي، فالمشجع المغربي نور الدين العوارتاسي يقول إن أيام المونديال تجعل الجدول اليومي مرتبطاً بالمباريات أكثر من أي شيء آخر، حتى الأحاديث العائلية والعملية تدور حول النتائج والتوقعات، وكأن البطولة تمنح الناس سبباً يومياً للترقب والفرح.

أما المصري كريم الدالي، فيشير إلى أنه غيّر مواعيد نومه خلال البطولة، وأصبح يقتطع ساعة للقيلولة بعد الظهر حتى يتمكن من السهر مع عائلته ومتابعة المباريات، وهو ما يعكس كيف ينجح جدول المونديال في التأثير في سلوك الملايين، ليس فقط في أوقات الفراغ، بل في نمط اليوم الكامل.

ويؤكد الأردني ليث الخضير الفكرة نفسها، إذ يقول إن الناس يؤجلون مواعيدهم، ويرتبون لقاءاتهم وفق توقيت المباريات، ثم يبقى أثر النتيجة في المجالس حتى بعد صافرة النهاية، لذلك تبدو البطولة وكأنها إجازة جماعية غير معلنة تعيد ضبط الإيقاع العام للمجتمع.

لماذا نشعر أن المنتخب يمثلنا؟

يرى الأخصائي النفسي المصري عمر عبد الله أن تفسير هذا التفاعل يبدأ من حاجة الإنسان إلى الانتماء، فالمشجع لا يتعامل مع المنتخب كفريق رياضي فقط، بل يراه امتداداً لهويته، لذلك يشعر بالفرح عند الفوز وكأن جزءاً من ذاته انتصر، ويشعر بالإحباط عند الخسارة رغم أنه لم يكن داخل الملعب.

ويضيف أن الإنسان قد يستعير إحساسه بالنجاح من الفريق الذي يشجعه، فيشعر بقيمة أكبر من خلال إنجاز لم يصنعه بنفسه، كما أن المشاعر تنتقل بين الناس كما تنتقل العدوى، فالمحيط الاجتماعي، سواء في المدرجات أو عبر الشاشات ومنصات التواصل، يضخم الانفعال ويمنحه قوة إضافية.

ويشير أيضاً إلى أن المباريات الكبرى تتحول لدى كثيرين إلى متنفس للضغوط اليومية، إذ تتيح لهم فرصة التعبير عن الفرح أو الغضب أو التوتر في مساحة اجتماعية مقبولة، لكن المشكلة تظهر حين ترتبط قيمة الإنسان بنتيجة لا يملك أي تأثير فيها، فالمباراة تنتهي مع صافرة الحكم، بينما يبقى أثرها النفسي لساعات وربما لأيام.

كيف يؤثر الإعلام في المزاج الجماعي خلال كأس العالم؟

تلعب وسائل الإعلام، التقليدية والرقمية، دوراً كبيراً في تضخيم المشاعر أثناء البطولة، فالإعلام لا ينقل النتيجة فقط، بل يشارك في تشكيل الحالة الوجدانية للجمهور، من خلال التعليق الرياضي والاستوديوهات التحليلية والصور والعناوين والمحتوى الرقمي، وكلها أدوات ترفع منسوب التفاعل العاطفي.

وتقول الدكتورة وهيبة الغالي، الباحثة التونسية في الإعلام والتربية الإعلامية والمعلوماتية، إن الإعلام يحرك مشاعر الفرح والحزن والغضب واللهفة، وقد يصل الأمر إلى تأجيج الكراهية أو الخطاب العنصري، كما أن الكاميرات تتعمد اقتناص صور البكاء عند الفوز أو الخسارة لأنها أكثر قدرة على جذب الانتباه.

وتحذر الغالي من أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم الأكثر تأثيراً في تشكيل المزاج الجماعي، لأن مقطع فيديو قصيراً قد ينتشر على نطاق واسع خلال وقت وجيز، حتى لو كان خارج سياقه أو مضللاً، وقد يُستخدم لصناعة أبطال للمونديال أو لإعادة تدوير روايات لا علاقة لها بوقائع البطولة.

كما ترى أن التغطيات الإعلامية قد تتحول إلى عامل يغذي التعصب الرياضي إذا تجاوزت النقد الفني إلى استهداف الأشخاص أو حياتهم الخاصة، وهو ما قد يترك أثراً حتى في القرارات الإدارية والرياضية، كما حدث في حملات إعلامية رافقت بعض الأسماء المعروفة، وانتهت إلى إقالة مدربين أو إشعال موجات واسعة من الجدل.

كيف يستمر أثر المباراة بعد نهايتها؟

لا ينتهي تأثير كأس العالم عند نهاية اللقاء، بل ينعكس على العمل والدراسة والعلاقات اليومية، وقد يجعل موظفاً يؤجل اجتماعاً، أو طالباً يسرع لإنهاء واجباته، أو أسرة تتفق على قناة واحدة بعد عام من الاختلاف حول جهاز التحكم، وهذا ما يفسر قدرة البطولة على التسلل إلى تفاصيل الحياة الخاصة والعامة معاً.

وفي النهاية، يبقى المونديال حدثاً نادراً يجمع بين الرياضة وعلم النفس والإعلام في لحظة واحدة، ويجعل المدن أكثر صخباً والناس أكثر تفاعلاً، ثم يتركهم ينتظرون النسخة التالية بشغف جديد، وبينما تعود الشوارع إلى هدوئها بعد انتهاء البطولة، يبقى تأثيرها حاضراً في الذاكرة الجماعية، كما تتابع مصر نيوز هذا المشهد العالمي بوصفه واحداً من أكثر الأحداث قدرة على تغيير المزاج العام في العالم.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
عامر فؤاد

عامر فؤاد محرر الخبر

عامر فؤاد صحفي رياضي يحمل درجة البكالوريوس في الإعلام، ويتميز بخبرة تمتد لأكثر من ثماني سنوات في مجال الصحافة الرياضية، كتب في عدد من الصحف والمواقع الرياضية، ويُعرف بدقة تغطيته وتحليلاته المتعمقة للأحداث الرياضية المحلية والعالمية.