مواجهة هولندا.. كيف أصبح المغرب مختلفًا خلال 32 عاما؟

مواجهة-هولندا-كيف-أصبح-المغرب-مختلفًا-خلال-32-عاما؟
محرر الخبر عامر فؤاد
حجم الخط

كرة القدم المغربية، شهدت خلال ثلاثة عقود تحولا لافتا انتقل بها من مشاركة متواضعة في كأس العالم 1994 إلى حضور قوي جعلها ضمن المنتخبات المرشحة للقب في نسخة 2026، بعد مسار طويل من الإصلاحات، وتكوين المواهب، وتغيير النظرة إلى المنتخب الوطني داخل المغرب وخارجه.

من مونديال 1994 إلى 2026

عندما شارك المغرب في كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة، كانت تلك المرة الثالثة في تاريخه بالبطولة، تحت قيادة المدرب الراحل عبد الله بليندة، لكن النتائج لم تكن في مستوى الطموحات، إذ خرج المنتخب من دور المجموعات من دون أي نقطة، بعد ثلاث هزائم متتالية، ليحتل المركز الأخير في المجموعة السادسة.

بدأت المسيرة بالخسارة أمام بلجيكا بهدف دون رد، ثم خسر المنتخب المغربي أمام السعودية بنتيجة 2-1 في أول مواجهة عربية عربية في المونديال، قبل أن يختتم مبارياته بسقوط جديد بالنتيجة نفسها أمام هولندا، وهو ما جعل تلك المشاركة من أضعف محطات “أسود الأطلس” في تاريخ كأس العالم.

وضمت تشكيلة المغرب في تلك النسخة أسماء بارزة من جيل التسعينيات، مثل خليل عزمي، وسعيد دغاي، وعبد الكريم الحضريوي، وطاهر الخلج، وأحمد البهجة، وأحمد المصباحي، ومصطفى حجي، ورشيد العزوزي، ومصطفى الحداوي، ورشيد الداودي، لكن الفريق لم ينجح حينها في تحويل هذه الأسماء إلى حصيلة نتائج إيجابية.

كيف تبدل المشهد خلال 30 سنة؟

اليوم يبدو المشهد مختلفا تماما، فمنتخب المغرب في مونديال 2026 يقدم صورة مغايرة من حيث الجاهزية والرصيد الفني، ويقوده المدير الفني محمد وهبي ضمن مشروع كروي أكثر نضجا، مع حضور لاعبين ينشطون في أندية كبرى ويحملون خبرة دولية مهمة.

وتضم القائمة الحالية أسماء من الطراز الرفيع، في مقدمتهم القائد أشرف حكيمي، وإبراهيم دياز، وإسماعيل الصيباري، وعز الدين أوناحي، وبلال الخنوس، وأيوب بوعدي، وياسين بونو، ونصير مزراوي، وعيسى ديوب، وهو ما يعكس حجم التطور الذي عرفته الكرة المغربية في مستوى التكوين والاختيار والجاهزية.

وتمكن “أسود الأطلس” من تجاوز دور المجموعات بنجاح، واحتلوا المركز الثاني وراء البرازيل بسبع نقاط لكل منهما، ثم واجهوا هولندا في دور الـ32، حيث قدموا أداء قويا أكد التحول الكبير في شخصية المنتخب، كما أصبح المغرب أول منتخب عربي يبلغ دور الـ16 في المونديال خلال نسختين متتاليتين.

وأظهرت الإحصاءات بعد المباراة تفوقا مغربيا واضحا على هولندا، سواء في نسبة الاستحواذ على الكرة التي بلغت 70 بالمئة، أو في عدد التسديدات وصناعة الفرص، وهي مؤشرات تعكس مستوى مختلفا تماما عن ذلك الذي ظهر به المنتخب في 1994.

ماذا يقول المحللون عن هذا التحول؟

يرى المحلل الرياضي المغربي أيمن زيزي أن المقارنة بين مونديال 1994 ومونديال 2026 ليست ممكنة من الناحية العملية، لأن الكرة المغربية والعربية في الولايات المتحدة قبل ثلاثة عقود كانت لا تزال في بداية مراحل التطور، ولم تكن تمتلك الأدوات نفسها التي تتوفر اليوم.

وأوضح في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية” أن منتخب 1994 كان يضم لاعبين من البطولة المحلية ومحترفين أيضا، لكن غابت آنذاك سياسة واضحة أو رؤية تنموية طويلة المدى، وهو ما جعل المشاركة آنذاك أقرب إلى تجربة صعبة منها إلى مشروع متكامل.

وأضاف زيزي أن المرحلة الحالية تقوم على أسس مختلفة تماما، لأن المغرب يعمل منذ سنوات ضمن مشروع مخصص لتنمية كرة القدم، مع سياسة واضحة لاستقطاب اللاعبين الذين تكونوا في الخارج، وقد أثمر هذا التوجه عن جيل قادر على اللعب في أكبر الأندية الأوروبية.

كما شدد على أن النجاح الحالي لم يأت من فراغ، بل من تراكمات إيجابية واستمرارية في العمل، بدأت مع مونديال 2018، ثم بلغت محطة تاريخية في 2022 عندما حل المنتخب رابعا في العالم، وهو ما اعتبره دليلا على تطور حقيقي في البنية الكروية المغربية.

سر التألق المغربي

تعود جزء من القفزة التي عرفتها الكرة المغربية في السنوات الأخيرة إلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي أصبحت أحد أبرز روافد المنتخبات الوطنية، وأسهمت في تأهيل عدد كبير من اللاعبين الذين برزوا في المحافل الدولية، من مونديال قطر 2022 إلى برونزية أولمبياد باريس 2024، ثم لقب كأس العالم للشباب في أكتوبر 2025.

بدأ إنشاء الأكاديمية في مدينة سلا عام 2007 برعاية مباشرة من الملك محمد السادس، قبل أن يتم افتتاحها رسميا في 2010، وهي موجهة لنحو 50 رياضيا تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاما، مع توفير تعليم متكامل وتوجيه رياضي احترافي.

وتتميز الأكاديمية بمرافق حديثة تشمل مراكز تدريب، ومجمعا سكنيا، ومدارس، ومرافق ترفيهية، وهو ما جعلها بيئة مناسبة لصناعة لاعبين يجمعون بين التكوين العلمي والرياضي، كما وصفها الاتحاد الدولي لكرة القدم بأنها “جوهرة كرة القدم المغربية” وأحد أنجح المراكز الرياضية في العالم.

ولم يقتصر التطوير على الأكاديمية وحدها، بل أطلق الاتحاد المغربي لكرة القدم برنامجا وطنيا لتطوير الناشئين يشمل 14 ناديا، إلى جانب مراكز تكوين فدرالية في سلا، والدار البيضاء، وبنجرير، والعيون، بما يغطي معظم مناطق المملكة ويمنح قاعدة واسعة لاكتشاف المواهب.

كما يمتد الاهتمام إلى الفئات الشابة من مواليد 2009 إلى 2011، باعتبارها المخزون المستقبلي للمنتخب، في وقت تلعب فيه الجالية المغربية في أوروبا دورا مهما في رصد المواهب ومتابعة اللاعبين مزدوجي الجنسية، عبر تعاون وثيق بين الاتحاد المغربي والمؤسسات المختصة.

ما الذي ينتظر المنتخب المغربي في المرحلة المقبلة؟

يملك المنتخب المغربي اليوم مقومات واضحة للاستمرار في المنافسة، سواء على المستوى التكتيكي أو عبر جودة الأسماء الموجودة أو من خلال العمل التقني الذي يعتمد أساليب حديثة في تحليل المنافسين، وهو ما يمنح الفريق أفضلية مهمة في الاستحقاقات المقبلة.

ويؤكد أيمن زيزي أن المطلوب في المرحلة القادمة هو الحفاظ على الروح القتالية نفسها التي ظهر بها المنتخب أمام هولندا، مع تجنب الإفراط في الاحتفال بأي نتيجة، لأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالاستمرار في نفس النسق والتركيز في كل مباراة.

وهكذا تبدو كرة القدم المغربية اليوم أمام مرحلة مختلفة تماما عن حقبة 1994، بعدما انتقلت من منتخب يبحث عن التوازن إلى فريق يملك الحضور والهوية والطموح، ويستند إلى مشروع طويل الأمد، وهذا ما يجعل المتابعين يرون أن ما تحقق ليس صدفة، بل نتيجة مسار واضح ترسخ عبر سنوات، كما تتابعه مصر نيوز ضمن تطورات المشهد الكروي العربي والدولي.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
عامر فؤاد

عامر فؤاد محرر الخبر

عامر فؤاد صحفي رياضي يحمل درجة البكالوريوس في الإعلام، ويتميز بخبرة تمتد لأكثر من ثماني سنوات في مجال الصحافة الرياضية، كتب في عدد من الصحف والمواقع الرياضية، ويُعرف بدقة تغطيته وتحليلاته المتعمقة للأحداث الرياضية المحلية والعالمية.