المنتخبات الوطنية، لم تعد اليوم حكراً على اللاعبين المولودين داخل حدود بلدانها، بل باتت تعكس حركة الهجرة والارتباطات العائلية وخيارات الهوية الشخصية، وهو ما يظهر بوضوح في كأس العالم 2026، حيث ارتفعت نسبة اللاعبين الذين يمثلون دولاً غير دول ميلادهم إلى مستوى غير مسبوق.
تغير واضح في ملامح المنتخبات
تشير القوائم الرسمية المقدمة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” إلى أن 40 منتخباً من أصل 48 في كأس العالم 2026 تضم لاعباً واحداً على الأقل ولد خارج الدولة التي يدافع عن ألوانها، وهو ما يمثل نحو ربع إجمالي المشاركين، بعد أن بلغ عدد هؤلاء 289 لاعباً من أصل 1,248. ويأتي هذا التحول بعد سنوات طويلة كانت فيها النسب أقل بكثير، ثم بدأت ترتفع تدريجياً في النسخ الأخيرة من البطولة.
وفي مباريات هذه النسخة، برزت حالات لافتة أعادت النقاش إلى الواجهة، مثل تسجيل إبراهيم مباي، المولود في فرنسا، هدفاً للسنغال في مرمى المنتخب الفرنسي يوم 16 يونيو/حزيران، وكذلك ما فعله بريل إمبولو في مونديال 2022 حين سجل لسويسرا في مرمى الكاميرون، بلد ميلاده، من دون أن يحتفل بالهدف.
كيف تطورت قواعد الأهلية في فيفا؟
منذ تأسيس فيفا عام 1904، لم تكن قواعد تمثيل المنتخبات واضحة كما هي اليوم، وكان اللاعبون قادرين على تغيير المنتخب الذي يلعبون له بسهولة أكبر. لكن هذا الوضع تغير مع مرور الوقت، حتى وضعت المنظمة معايير رسمية في ستينيات القرن الماضي، ثم جرى تحديثها لاحقاً بما يتناسب مع الواقع الرياضي والديموغرافي المتغير.
- في عام 1962: أُلزم اللاعب بحمل جنسية الدولة التي يريد تمثيلها، ومنع من اللعب لأكثر من منتخب وطني خلال مسيرته، مع استثناءات محدودة للحالات التي تغيّرت فيها الجنسيات قسراً.
- في عام 2004: سُمح للاعب الذي مثل منتخباً في الفئات العمرية بأن ينتقل إلى منتخب آخر على مستوى الفريق الأول، بشرط وجود صلة واضحة بالدولة المعنية.
- في الوقت الحالي: أصبحت مدة الإقامة المطلوبة خمس سنوات، كما يمكن للاعب تغيير المنتخب إذا كانت مشاركاته مع المنتخب الأول ثلاث مباريات دولية أو أقل، وكانت كلها قبل بلوغه 21 عاماً.
المغرب نموذج بارز في الاستفادة من الجاليات
استفاد المغرب من هذه التغييرات بصورة واضحة، إذ نشر خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة شبكة من الكشافين في دول أوروبية تضم جاليات مغربية كبيرة، مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا، في إطار مشروع متدرج للارتقاء بمستوى كرة القدم الوطنية. وقد شكّل هذا التوجه أحد العوامل التي أسهمت في الإنجاز التاريخي ببلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022، ليصبح المنتخب المغربي أول منتخب أفريقي يصل إلى هذا الدور.
وفي مباراة المغرب أمام البرازيل في 13 يونيو، صنع المنتخب بدوره حدثاً غير مسبوق، إذ لعب على أرض الملعب لمدة 25 دقيقة ولم يكن أي من لاعبيه مولوداً في المغرب. كما ظهر أثر هذا الواقع في مباراة إسبانيا ضمن مونديال 2022، عندما سجل حكيم زياش، المولود في هولندا، وأشرف حكيمي، المولود في إسبانيا، ضمن ركلات الترجيح التي منحت المغرب أفضلية تاريخية.
لماذا يختار اللاعبون تمثيل دولة غير دولة الميلاد؟
تتنوع دوافع اللاعبين بين الاعتبارات العائلية والمهنية والعاطفية، وأحياناً السياسية، فبعضهم يرى أن الفرصة الدولية الأكبر تأتي من منتخب آخر، وبعضهم يرتبط عاطفياً ببلد أحد الوالدين أو الأجداد، بينما يختار آخرون الدولة التي عاشوا فيها سنوات طويلة وحصلوا على جنسيتها لاحقاً.
- الارتباط العائلي: اختيار بلد أحد الوالدين أو الأجداد، كما حدث مع إبراهيم مباي الذي فضل السنغال، بلد ميلاد والدته.
- الفرصة الرياضية: البحث عن مساحة أكبر للعب دولياً، وهو عامل قد لا يتوفر في بلد الميلاد.
- الإقامة والجنسية: تمثيل الدولة التي عاش فيها اللاعب لسنوات طويلة، كما في حالة بيبي الذي اختار البرتغال بعد انتقاله إليها عام 2001.
هل تثير هذه الظاهرة الجدل؟
رغم أنها أصبحت جزءاً من المشهد الكروي الحديث، فإن ظاهرة اختيار المنتخب لا تزال تثير انقساماً في الآراء. فقد انتقد سيب بلاتر، الرئيس السابق لفيفا، خلال فترة رئاسته، تزايد تجنيس بعض اللاعبين، خصوصاً البرازيليين، وحذر عام 2007 من تحول البطولة إلى نسخة تهيمن عليها منتخبات “مليئة باللاعبين البرازيليين”، معتبراً ذلك خطراً حقيقياً.
كما أن ردود فعل الجماهير قد تكون قاسية أحياناً، مثلما حدث مع دييغو كوستا، المولود في البرازيل والذي اختار إسبانيا، خلال كأس العالم 2014 في البرازيل، حين واجه صافرات استهجان متواصلة من الجمهور المحلي. وفي المقابل، يرى آخرون أن اللاعب يمارس حقه الطبيعي في اختيار البلد الذي يمثله، خاصة إذا كان هذا الخيار مرتبطاً بحياته ومسيرته المهنية.
ماذا تعني هذه التغيرات لكرة القدم الدولية؟
يرى الباحثون أن كرة القدم لم تعد منفصلة عن التحولات الاجتماعية الكبرى، بل أصبحت انعكاساً مباشراً للهجرة وتعدد الهويات واتساع الروابط العابرة للحدود. ويشير البروفيسور خيسبرت أونك إلى أن نحو 4 في المئة من سكان العالم يعيشون في بلد غير البلد الذي ولدوا فيه، وترتفع النسبة بين أصحاب المهارات العالية والرياضيين المحترفين، وهو ما يفسر هذه الصورة الجديدة في اللعبة.
وتضيف الدكتورة مريم الشرتي أن المنتخب الوطني لم يعد يمثّل فقط من يعيش داخل الدولة، بل بات يعكس أيضاً تاريخ الهجرة وحركة الناس عبر العالم، ولذلك تبدو قصص مثل إبراهيم مباي، وبيبي، وروبرتو لوبيز، وأشقائهم الذين اختاروا منتخبات مختلفة، جزءاً من واقع كروي أوسع. وفي هذا السياق، تقدم مصر نيوز قراءة أوضح لهذا التحول الذي يعيد تشكيل ملامح كأس العالم في نسخته الجديدة.
