أنج بوستيكوجلو، المدرب الأسترالي الذي وصل إلى قيادة النصر، يحمل مسيرة طويلة بدأت من ضاحية يونانية وانتهت إلى قمم التدريب في أستراليا وأوروبا وآسيا، وبين المحطات المختلفة ظل متمسكًا بفكرة واحدة، وهي أن الفوز مهم، لكن طريقة اللعب لا تقل أهمية عنه، وهذا ما جعله اسمًا لافتًا في عالم كرة القدم.
بداياته بين اليونان وأستراليا
وُلد آنج بوستيكوجلو عام 1965 في نيا فيلادلفيا، شمال غربي أثينا، قبل أن تنتقل عائلته إلى أستراليا وهو في الخامسة من عمره، بعد أن فقد والده ديميتريس تجارته عقب الانقلاب العسكري عام 1967، وهناك بدأت علاقته الحقيقية بكرة القدم، في بيئة جديدة شكّلت شخصيته ومساره لاحقًا.
وفي مدينة ملبورن، انضم إلى ساوث ملبورن بعد أربع سنوات من وصوله، وتدرج في الفئات السنية حتى وصل إلى الفريق الأول، ثم لعب له 193 مباراة بين 1984 و1993 في مركز الظهير الأيسر، ونجح في الفوز بلقبين للدوري مع النادي الذي أصبح نقطة الانطلاق الأهم في مشواره.
كيف تشكلت فلسفته التدريبية؟
تأثر بوستيكوجلو كثيرًا بالمدرب المجري فيرينك بوشكاش، الذي كان يدرب ساوث ملبورن خلال فترة لعبه، وقد كشف لاحقًا أن بوشكاش اعتمد أسلوب 4ـ3ـ3، بظهيرين ثابتين وأجنحة هجومية، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في أفكاره الفنية، وجعله يميل دائمًا إلى الهجوم والضغط وصناعة كرة قدم ممتعة.
ورغم أن إصابة الركبة أنهت مسيرته مبكرًا، بعدما اضطر ساوث ملبورن إلى الاستغناء عنه وهو في السابعة والعشرين، فإن بوستيكوجلو واصل اللعب لفترة قصيرة في الدرجات الأدنى قبل أن يعتزل نهائيًا في سن الثلاثين، ثم جاء تكريمه عام 2000 حين اختير ظهيرًا أيسر في تشكيلة القرن للنادي، بقرار من الجماهير ولجنة الخبراء.
محطات التدريب الأولى والإنجازات الكبرى
بعد الاعتزال، انتقل بوستيكوجلو إلى مجال التدريب من بوابة ساوث ملبورن أيضًا، وبدأ يرسخ اسمه خلال النصف الثاني من التسعينيات، ثم صعدت مكانته بصورة واضحة مع بريزبن رور، حيث قاد الفريق إلى لقبَي الدوري الأسترالي في عامي 2011 و2012، وهو ما فتح له أبوابًا أكبر على المستوى الدولي.
ومن هناك، تولى تدريب المنتخب الأسترالي، فقاد «الكنغر» إلى كأس العالم في البرازيل 2014، ثم صنع إنجازًا تاريخيًا بإحراز أول لقب لكأس آسيا في تاريخ أستراليا عام 2015، وبعد ذلك قاد المنتخب مرة أخرى إلى مونديال روسيا 2018، قبل أن يستقيل بعد التأهل مباشرة، ولم يحضر البطولة نفسها.
التجربة الآسيوية والأوروبية
واصل بوستيكوجلو مسيرته خارج أستراليا، فحقق لقب الدوري الياباني مع يوكوهاما مارينوس عام 2019، ثم انتقل إلى سلتيك الإسكتلندي، وهناك حقق لقبَي الدوري عامي 2022 و2023، ليؤكد أنه مدرب يملك القدرة على فرض أفكاره في بيئات مختلفة وبأساليب متباينة.
لماذا اختاره توتنام؟
عندما تعاقد معه توتنام، أثار اختياره جدلًا واسعًا، لأنه لم يسبق له العمل في البريمييرليج، كما لم يسبق لمدرب بجنسيته أن مر على البطولة من قبل، لكن دانيال ليفي رئيس النادي دافع عن القرار، مشيرًا إلى أن بوستيكوجلو يملك عقلية إيجابية، وأسلوبًا هجوميًا سريعًا، وقدرة واضحة على تطوير اللاعبين، إضافة إلى فهمه أهمية العلاقة مع أكاديمية النادي.
وفي أول تصريحاته للجماهير الإنجليزية، شرح بوستيكوجلو فكرته بوضوح، مؤكدًا أنه يحب الفوز أولًا، لكنه يريد في الوقت نفسه أن تقدم فرقه كرة قدم مثيرة يتحدث عنها الناس بسبب الأداء كما بسبب النتيجة، وهو خطاب لخص هويته التدريبية التي تقوم على الجرأة والاندفاع الهجومي.
ما أبرز الانتقادات التي واجهها؟
رغم الإشادة بأسلوبه، لم ينجُ بوستيكوجلو من النقد في إنجلترا، إذ رأى محللون أن خطه الدفاعي المرتفع يترك فرقَه مكشوفة أمام الهجمات المرتدة، وازدادت هذه الانتقادات بعد الخسارة أمام تشيلسي 1-4 في 6 نوفمبر 2023، حين واصل التمسك بخطه المتقدم رغم لعبه بتسعة لاعبين بعد طرد كريستيان روميرو وديستني أودوجي.
في تلك الليلة، وصف جاري نيفيل تمسكه بالخطة بأنه سلوك «ساذج»، لكن المدرب الأسترالي رد بوضوح، قائلًا إن هذه هي هويته وستبقى كذلك ما دام في موقعه، حتى لو لعب بخمسة لاعبين، وهو الرد الذي عكس إصراره على فلسفته وعدم التراجع عنها.
كيف انتهت تجربته في توتنام ونوتنجهام فورست؟
في موسمه الأول مع توتنام، أعاد الفريق إلى أوروبا بعد إنهاء الدوري في المركز الخامس، ثم نجح في موسمه الثاني في فك عقدة الألقاب بإحراز بطولة الدوري الأوروبي بعد انتظار دام 17 عامًا، لكن النتائج المحلية تراجعت بصورة كبيرة، وانتهى الفريق في المركز السابع عشر، لتنتهي التجربة رغم التتويج القاري.
بعد الإقالة، هاجم بوستيكوجلو النادي بشدة، وقال إنهم بنوا ملعبًا ومرافق تدريب مذهلة، لكنهم ليسوا ناديًا كبيرًا إذا نظرنا إلى حجم الإنفاق وهيكل الأجور، كما انتقد تناقض شعار الجرأة مع سلوك الإدارة، معتبراً أن الفوز يتطلب أحيانًا المجازفة.
وبعد ثلاثة أشهر فقط، عاد إلى إنجلترا من بوابة نوتنجهام فورست، حيث رأى المالك إيفآنجلوس ماريناكيس أن إنهاء صيام توتنام عن الألقاب يجعله الرجل المناسب للمشروع الجديد، لكنه لم يستمر سوى 39 يومًا، إذ فشل الفريق في تحقيق أي انتصار خلال 8 مباريات، واكتفى بتعادلين مقابل 6 هزائم، قبل إنهاء التعاقد معه بعد الخسارة أمام تشيلسي 0ـ3، بسبب سلسلة من النتائج والعروض المخيبة للآمال.
ما الذي ينتظر النصر مع بوستيكوجلو؟
وصل بوستيكوجلو إلى النصر بعد رحيل البرتغالي جورجي جيسوس، في مهمة جديدة تحمل طموحًا كبيرًا لمواصلة مسيرة فريق توج بلقب دوري روشن السعودي الموسم الماضي، ويأتي ذلك مدفوعًا بتاريخه التدريبي الذي يجمع بين الجرأة والهجوم والقدرة على حصد البطولات، وهي عناصر تراهن عليها الإدارة في المرحلة المقبلة.
ومع هذا التعيين، يفتح النصر صفحة جديدة بقيادة مدرب اعتاد الجدل كما اعتاد الإنجاز، وبين فلسفته الواضحة وتجربته الثرية، تبدو الأنظار موجهة إلى ما سيقدمه في السعودية، حيث يتابع الجمهور كل تفاصيل المشروع الجديد عبر مصر نيوز بوصفه أحد أبرز التطورات الفنية في المشهد الكروي الحالي.
