من الأبيض إلى البرتقالي.. سر غياب ألوان الأعلام عن قمصان بعض المنتخبات الرياضية

من-الأبيض-إلى-البرتقالي-سر-غياب-ألوان-الأعلام-عن-قمصان
محرر الخبر عامر فؤاد
حجم الخط

القمصان الوطنية، ليست مجرد ألوان تُرتدى في الملاعب، بل هي سجل بصري يحمل آثار التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية، فبعض المنتخبات اختارت ألواناً لا تشبه أعلامها الرسمية، لكنها أصبحت مع الزمن رمزاً لا ينفصل عن اسم الدولة في الوعي الرياضي، وهذا ما تكشفه قصص منتخبات كبرى حول العالم.

إيطاليا وإرث سافوي الملكي

في إيطاليا، يظل اللون الأزرق السماوي هو العلامة الأوضح للمنتخب، رغم أنه لا يظهر في العلم الإيطالي المعروف بالأخضر والأبيض والأحمر، وقد بدأ هذا التقليد في 6 يناير/كانون الثاني 1911، حين ارتدى المنتخب اللون الأزرق لأول مرة في مباراة دولية أمام المجر على ملعب أرينا تشيفيكا في ميلانو، وكانت تلك المباراة الثالثة في تاريخ الفريق بعد أول ظهور رسمي أمام فرنسا في 15 مايو/أيار 1910، وقد ارتبط هذا اللون بأزرق سافوي، وهو لون العائلة المالكة التي قادت توحيد شبه الجزيرة الإيطالية عام 1861، كما حملت القمصان في فترات طويلة شعار النبالة الخاص بالعائلة، ورغم انتقال إيطاليا من الملكية إلى الجمهورية عام 1946، بقي الأزرق رمزاً وطنياً راسخاً في ذاكرة الجماهير.

ألمانيا والبصمة البروسية

في ألمانيا، يبرز القميص الأبيض مع السروال الأسود بوصفه هوية ثابتة للمنتخب، على الرغم من أن العلم الألماني يتكون من الأسود والأحمر والذهبي، ويعود هذا الاختيار إلى جذور مرتبطة بمملكة بروسيا، التي كانت قوة عسكرية وسياسية كبيرة في القرن التاسع عشر، وكانت ألوانها الرسمية الأسود والأبيض، وتشير روايات تأسيس اتحاد كرة القدم الألماني عام 1899 إلى أن المنتخب اعتمد هذه الألوان تكريماً لذلك الإرث التاريخي، ومع تغير الأنظمة السياسية بقي الأبيض والأسود عنواناً بصرياً لا يفارق المانشافت، ويعكس صورة الاستمرارية في الوعي الرياضي الألماني.

هولندا والبرتقالي المقدس

في هولندا، يبدو اللون البرتقالي أكثر من مجرد اختيار جمالي، إذ يرتبط بالعائلة المالكة أورانجي-ناساو، وبالأخص ويليام الصامت الذي قاد ثورة الاستقلال الهولندية ضد التاج الإسباني في القرن السادس عشر، وقد بدأت علاقة المنتخب بهذا اللون بشكل رسمي في ثلاثينيات القرن الماضي، ليصبح البرتقالي هوية جامعة للهولنديين، تتجاوز ألوان العلم الهولندي الأحمر والأبيض والأزرق، وقد تحول هذا اللون إلى رمز شعبي يرافق المنتخب في كل المناسبات، ويعبر عن انتماء جماعي يسبق أي دلالة بروتوكولية.

اليابان ولون الساموراي الأزرق

في اليابان، يحضر الأزرق بقوة في هوية المنتخب بوصفه لون “الساموراي الأزرق”، رغم أن العلم الياباني يقوم على خلفية بيضاء تتوسطها شمس حمراء، وتعود جذور هذا اللون إلى الساموراي والزي الحربي الذي ارتبط بالقوة والولاء، أما في كرة القدم، فقد رسخ أولمبياد برلين عام 1936 مكانة هذا اللون، عندما لعب المنتخب الياباني بزي أزرق بالكامل وحقق فوزاً تاريخياً على السويد بنتيجة 3-2، ومنذ ذلك الوقت تحول الأزرق إلى تميمة حظ، ثم جرى تثبيته رسمياً في التسعينيات ضمن هوية المنتخب التي يعرفها العالم اليوم.

أستراليا وسيادة الأرض

تقدم أستراليا مثالاً واضحاً على الهوية المرتبطة بالجغرافيا، إذ لا يظهر الأخضر والذهبي في علمها الذي يتضمن رمز يونيون جاك البريطاني، وقد بدأت الفكرة عام 1974 عندما سعت البلاد إلى هوية بصرية تعكس طبيعتها القارية، حيث يمثل الأخضر غابات الأوكالبتوس، ويمثل الذهبي نبات الأكاسيا أو السنط الذهبي، ثم تم اعتماد هذه الألوان رسمياً في عام 1984، لتصبح رمزاً وطنياً يربط الرياضة بالأرض، ويخفف من حضور الإرث الاستعماري في الصورة الرياضية الأسترالية.

نيوزيلندا وتضامن الأمة

في نيوزيلندا، يُعرف المنتخب بلقب “الأبيض بالكامل” All Whites، رغم أن العلم يحمل الأحمر والأزرق بوصفهما جزءاً من التراث البريطاني، وقد جاء اعتماد الأبيض في بداية الثمانينيات، وتحديداً خلال تصفيات مونديال 1982، بهدف الاقتراب من الهيبة الشعبية التي يتمتع بها منتخب الركبي All Blacks، اللعبة الأكثر حضوراً في البلاد، وكان هذا الاختيار بمثابة جسر رمزي يمنح كرة القدم شرعية جماهيرية سريعة، ويجعل الأبيض علامة على النقاء وروح العمل الجماعي.

الكويت ولون البحر واللؤلؤ

عربياً، تمثل الكويت حالة خاصة، إذ اختار منتخبها اللون الأزرق منذ ستينيات القرن الماضي، مع تأسيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم، وكان الهدف ربط الفريق بلون البحر الذي شكّل أساس الحياة ومهنة صيد اللؤلؤ لدى الكويتيين، ولم يكن الاختيار تقليدياً بقدر ما كان استحضاراً لروح البحر في قلب الصحراء، ثم أصبح الأزرق جزءاً من الهوية الكروية الكويتية، ورافق الانتصارات الذهبية في السبعينيات والثمانينيات، ليصير لوناً يعبر عن ثقافة المجتمع وقيمه المشتركة.

البرازيل من لعنة الأبيض إلى أسطورة السيليساو

في البرازيل، ارتبط المنتخب طويلاً بالقميص الأبيض الكامل حتى عام 1950، وهو الزي الذي التصق في الذاكرة الجماعية بمرارة الهزيمة الشهيرة في نهائي كأس العالم أمام أوروغواي على ملعب ماراكانا، وبعد تلك الصدمة اعتبرت الصحافة والجماهير أن الأبيض لم يعد يحمل روحاً وطنية كافية، فجرى في عام 1953 تنظيم مسابقة وطنية برعاية الاتحاد البرازيلي عبر صحيفة كوريو دا مانيا لتصميم زي جديد يجمع ألوان العلم الوطني، وهي الأصفر والأخضر والأزرق والأبيض، مع شرط أن يعبر عن الفخر والروح الوطنية، وفاز المصمم ألديار غارسيا شلي، ليظهر القميص الأصفر مع الأطراف الخضراء في عام 1954، ويولد معه القميص الكناري الذي صار لاحقاً عنواناً لخمسة ألقاب عالمية.

كيف تحولت ألوان المنتخبات إلى رموز وطنية?

تحول ألوان المنتخبات إلى رموز وطنية لا يرتبط بالصدفة، بل بتراكم طويل من التاريخ والسياسة والجغرافيا والذاكرة الشعبية، وفيما يلي أبرز السمات التي تفسر هذه الظاهرة، كما تظهر في أمثلة المنتخبات السابقة.

  • الارتباط التاريخي: كثير من الألوان خرجت من رحم عائلات حاكمة أو كيانات سياسية قديمة، ثم تجاوزت زمنها الأول لتصبح جزءاً من الذاكرة الحديثة.
  • الرمزية الاجتماعية: بعض الألوان ارتبطت بمهن الناس أو ببيئتهم الطبيعية، مثل البحر في الكويت أو الأرض في أستراليا.
  • الاستمرار الرياضي: حين ينجح لون معين في ترسيخ صورة المنتخب، يصبح من الصعب استبداله حتى مع تغيّر الأنظمة أو الأذواق.

وهكذا يتضح أن القمصان ليست مجرد تفاصيل فنية في كرة القدم، بل وثائق تختزن قصة كل شعب مع تاريخه ومجاله الجغرافي وذاكرته الجمعية، ومن خلال هذه القراءة تتقاطع الرياضة مع السياسة والهوية في صورة واحدة، وهو ما يجعل متابعة مثل هذه الموضوعات عبر مصر نيوز أكثر قرباً من فهم العلاقة العميقة بين اللون والوطن.

تاريخ آخر تحديث للخبر
تابع الآن أهم الأخبار عبر Google News
متابعة
عامر فؤاد

عامر فؤاد محرر الخبر

عامر فؤاد صحفي رياضي يحمل درجة البكالوريوس في الإعلام، ويتميز بخبرة تمتد لأكثر من ثماني سنوات في مجال الصحافة الرياضية، كتب في عدد من الصحف والمواقع الرياضية، ويُعرف بدقة تغطيته وتحليلاته المتعمقة للأحداث الرياضية المحلية والعالمية.