صلاح، يظل الحديث عن دوره داخل الملعب من أكثر الملفات التي تثير الجدل، خاصة عندما يُطلب منه التحرك في منطقة ضيقة بين خط الوسط والدفاع، وهو الدور الذي يشبه كثيرًا مهمة اللاعب رقم 10 أو المهاجم المتأخر، حيث تتطلب المساحات المغلقة مهارة عالية في المراوغة وربط الخطوط.
لماذا بدا صلاح أقل فاعلية أمام إيران؟
تأثير محمد صلاح لم يكن بنفس القوة المعتادة أمام إيران، لأن طبيعة المباراة فرضت عليه مواجهة كتلة دفاعية منظمة، تتسم بالصلابة البدنية والانضباط الجماعي، وهي ظروف لا تمنح المهاجم مساحة كبيرة للتحرك الحر، كما أن التحول إلى اللعب في مناطق أضيق جعله تحت ضغط مباشر من أكثر من لاعب، وهو ما قلل من قدرته على إظهار أفضل ما لديه.
في مثل هذا النوع من المباريات، يصبح الاعتماد على الموهبة الفردية وحدها أمرًا صعبًا، خصوصًا عندما يكون الخصم متماسكًا في الثلث الدفاعي، ويغلق العمق بإحكام، لذلك ظهر صلاح في فترات كثيرة وكأنه حاضر بجسده فقط، من دون أن يجد الفرصة المناسبة لإحداث الفارق بالطريقة التي اعتادها الجمهور.
كيف اختلفت الصورة مقارنة بمواجهة بلجيكا؟
المشهد تغيّر كثيرًا عندما لعبت مصر أمام بلجيكا، لأن المنتخب المصري اعتمد حينها على التحولات السريعة واستغلال المساحات الخالية خلف الدفاع، وهي بيئة تناسب صلاح أكثر بكثير من اللعب أمام دفاع متكتل، أما أمام إيران، فالمهمات الهجومية أصبحت أكثر تعقيدًا، لأن الفريق احتاج إلى حلول فردية داخل مناطق مزدحمة.
هذا الفارق يوضح أن نجاح صلاح مرتبط أحيانًا بطبيعة الخطة الجماعية، فحين تتاح له المساحات، يبدو أكثر خطورة، أما عندما يُجبر على اللعب في مواجهة مباشرة مع كثافة دفاعية، فإن تأثيره يتراجع نسبيًا، خاصة إذا كانت المواجهة تتطلب مراوغات متكررة واختراقات متواصلة.
اللقطة التي كشفت الفارق
ظهرت إحدى أبرز الإشارات في فرصة محمود صابر الأولى، إذ حصل صلاح على وضعية هجومية مماثلة لتلك التي سجل منها أمام نيوزلندا، لكن الدفاع الإيراني تدخل بصلابة وأوقف الهجمة قبل وصولها إلى زميله، وهذه اللقطة أبرزت بوضوح حجم الفارق بين اللعب أمام دفاع يسمح بالمساحة، وآخر يضيق الخناق بسرعة.
كما أن التبديل الموضعي الذي حدث مع بداية الشوط الثاني منح صلاح تحسنًا ملحوظًا، عندما انتقل إلى الجانب الأيمن، وهناك صنع تمريرة خطيرة للغاية إلى تريزيجيه في الدقيقة 49، لكن المحاولة لم تترجم إلى هدف، ثم عاد المشهد نفسه في الدقيقة 51، عندما انتهت تمريرته المتقنة إلى ركنية، في وقت بدا فيه المنتخب المصري أقرب للتسجيل.
هل يصلح دور ميسي مع مصر في كل المباريات؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة عند تقييم مركز صلاح داخل المنتخب، لأن فكرة منحه دورًا شبيهًا بدور ميسي، أي اللعب كرقم 10 أو مهاجم متأخر، قد تكون مناسبة في بعض الظروف، لكنها لا تصلح كخيار دائم أمام جميع الخصوم، خاصة عندما يكون الفريق المنافس منظمًا ويغلق المساحات أمامه.
الأقرب إلى الصواب هو التعامل مع صلاح وفق طبيعة المباراة، لا وفق قالب ثابت، فهناك مباريات تحتاج إلى استغلال السرعة والتحرك في الجناح الأيمن، وهناك مباريات أخرى قد يستفيد فيها المنتخب من تحرره في العمق، لكن دون الإفراط في تحميله أدوارًا تتطلب كثافة كبيرة من المراوغة والمرونة في مناطق مزدحمة.
ما التوقيت الأنسب لتغيير مركز صلاح؟
يمكن تلخيص الأمر في خطوات واضحة تساعد على قراءة دور صلاح داخل الملعب، وفقًا لطبيعة المنافسة وحالة المباراة، وذلك على النحو التالي:
- عند مواجهة دفاع متكتل: الأفضل إبقاؤه في مركز الجناح الأيمن، لتفادي الاصطدام المستمر بعدد كبير من المدافعين في العمق.
- عند اللعب على التحولات: يمكن منحه دورًا أقرب إلى ميسي، لأنه سيستفيد من المساحات المفتوحة خلف الخطوط الدفاعية.
- عند الحاجة إلى حلول فردية سريعة: يظل الجناح الأيمن أكثر ملاءمة لقدراته الحالية، مقارنة بالمناطق الضيقة بين الخطوط.
بهذا الشكل يصبح استغلال صلاح أكثر دقة وواقعية، لأن تحديد مركزه يجب أن يرتبط بسياق المباراة، لا برغبة ثابتة في تغيير دوره دائمًا، فالتوازن بين تحركاته ومهام الفريق هو العامل الأهم في زيادة فاعليته.
ماذا تقول القراءة الفنية للمشهد؟
القراءة الفنية تؤكد أن صلاح لم يفقد قيمته، لكنه أصبح بحاجة إلى بيئة مناسبة كي يظهر تأثيره الكامل، فمع التكتلات الدفاعية الشديدة تتراجع قدرته على الابتكار الفردي، بينما يعود إلى الواجهة عندما يجد المساحات، وهذا ما يفسر اختلاف صورته بين مباراة وأخرى، وبين خصم وآخر.
وفي المحصلة، فإن التعامل مع صلاح يجب أن يكون مرنًا ومبنيًا على ظروف اللقاء، لأن إجباره على أداء دور واحد في كل الحالات قد يقلل من مردوده، بينما يمنحه التنقل الذكي بين الجناح الأيمن والدور الحر في العمق فرصة أفضل لترك بصمته، وهذه هي الفكرة التي تبدو أقرب إلى الصواب في قراءة مصر نيوز لهذا الملف.
